لا تَنْظُرُوا إِلَى حَجْمِ المَعْصِيَة
إن تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر إنما يتم بالنظر إلى نفس المعصية، فإن كانت قتلاً أو غيبةً أو رباً قلنا إنها كبيرة، وإن كانت نظرة بشهوة أو استماع أغنية قلنا هذه صغيرة، وهذا هو الميزان المعمول به عند تصنيف المعاصي وتقسيمها.
أما عند النظر إلى الله تعالى فإن جميع المعاصي تصبح بمستوى واحد يصح أن نعبّر عنه بالكبير، لأنك بمعصيتك سواء كانت كبيرة أو صغيرة في حساباتنا فإنك تستهدف بها العزة الإلهية التي ينبغي أن ننظر إليها عند العصيان لا إلى حجم المعصية ونوعها، فأنت بالصغيرة تخالف ربك، وكذلك بالكبيرة، إذاً.. إن المخالفة لربك وقعت منك من دون النظر إلى خصوص المعصية وتفاصيلها، فهذه مبغوضة عند الله، وتلك مبغوضة عنده، وهذه لها عقاب عند الله، وتلك لها عقاب عنده، ومن هنا فقد نسب بعضهم إلى ابن عباس أنه قال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة: ولا يوجد تناقض بين هذا البحث والبحث حول تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر لأننا هنا ننظر إلى المستهدَف بالمعصية، أما هناك فقد نظرنا لى نفس المعصية.
قال رسول الله(ص): لا تنظروا إلى صِغَر الذنب ولكن انظروا إلى من اجترأتم:
الصغِيرَةُ طَرِيقٌ إِلَى الكَبِيرَة
ينبغي على المؤمن العاقل أن يحتاط لدينه ويحصنه من دخول المفاسد عليه، بمعنى أن يبتعد عن كل ما يقرّبه من الحرام، حتى المكروه الذي هو جائز في الشريعة فإن ترك المكروه يساعدك أكثر على ترك الحرام لأنه سوف يشكّل لك حاجزاً بينك وبين الحرام، ولهذا فقد ورد أن المكروه سياج الحرام، فالذي يأتي بالمكروه لا يُؤمَن عليه من ارتكاب الصغائر، والذي يفعل الصغيرة لا يُؤمن عليه من ركوب الكبيرة لأن الصغائر باب إلى الكبائر فهي تشكّل لك جسراً قائماً بينك وبين الذنوب الكبيرة، فإذا استهترت بالمكروهات وقعت في الصغائر، وإذا لم تعصم نفسك عن الصغائر فلا تدري متى تقع في الكبائر.
وفي بيان هذه الحقيقة وردت مجموعة من النصوص التحذيرية عن أهل بيت العصمة سلام الله عليهم، فقد قال أمير المؤمنين علي(ع) : لا تستصغروا قليل الآثام فإن الصغير يُحصى ويَرجع إلى الكبير
وقال الإمام الصادق(ع) : إن رسول الله(ص) نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال(ص) فليأت كل إنسان بما قدَر عليه، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله(ص) هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقَّراتِ من الذنوب فإن لكل شيء طالباً، ألا وإن طالبها يكتب ما قدّموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين:
وقال الإمام الرضا(ع): الصغائر من الذنوب طرق إلى الكبائر ومن لم يَخَفِ الله في القليل لم يَخَفْهُ في الكثير:
وقال الإمام الكاظم(ع) : لا تستقلّوا قليل الذنوب فإن قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيراً:
وعنه(ع) قال: إن المسيح(ع) قال للحواريين إن صغار الذنوب ومُحَقَّراتِها من مكائد إبليس يحقّرها لكم ويصغّرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم:
الشيخ علي فقيه



